أحمد بن محمد المقري التلمساني

159

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بانقراض آمادهم ، وأخذهم اللّه تعالى بكفرهم وفسادهم ، فلم يعاين منهم إلّا من خرّ صريعا ، وسقى الأرض نجيعا « 1 » ، ولقي من أمر الهنديات « 2 » فظيعا ، ودعت الضرورة باقيهم إلي الترامي في الوادي ، ممن « 3 » كان يؤمل الفرار ويرتجيه ، ويسبح طامعا في الخروج إلى ما ينجيه ، اختطفته الأسنّة اختطافا ، وأذاقته موتا ذعافا « 4 » ، ومن لجّ في الترامي على لججه ، ورام البقاء في ثبجه « 5 » ، قضى عليه شرقه ، وألوى بذقنه غرقه . ودخل الموحّدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتالهم طعنا وضربا ، ويلقونهم بأمر اللّه تعالى هو لا عظيما وكربا ، حتى انبسطت مراقات الداء « 6 » ، على صفحات الماء ، وحكت حمرتها على زرقته حمرة الشفق على زرقة السماء ، وجرت العبرة للمعتبر ، في جري ذلك الدم جري الأبحر » . وبالجملة ، فالرجل كان نسيج وحده رحمه اللّه تعالى وسامحه ، وقصة لسان الدين تشبه قصته « 7 » ، وكلاهما قد ذاق من الذلّ بعد العزّ غصّته ، وبدّل الدهر نصيبه من الوزارة وحصّته ، بعد أن اقتعد ذروة الأمر ومنصّته ، رحم اللّه تعالى الجميع ، إنه مجيب سميع ! .

--> ( 1 ) النجيع : الدم . ( 2 ) الهنديات : السيوف . ( 3 ) في ب « فمن كان » . ( 4 ) السم الذعاف : السم القاتل لحينه . ( 5 ) الثبج : أصله معظم موج البحر . ( 6 ) في ب « الدماء » . ( 7 ) في ب « وقضية لسان الدين تشبه قضيته » .